محمد بن جرير الطبري

63

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

سورة المائدة مدنية وآياتها عشرون ومائة بسم الله الرحمن الرحيم القول في تأويل قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد ) * يعني جل ثناؤه بقوله : يا أيها الذين آمنوا أوفوا : يا أيها الذين أقروا بوحدانية الله وأذعنوا له بالعبودية ، وسلموا له الألوهية ، وصدقوا رسوله محمدا ( ص ) في نبوته وفيما جاءهم به من عند ربهم من شرائع دينه ، أوفوا بالعقود يعني : أوفوا بالعهود التي عاهدتموها ربكم والعقود التي عاقدتموها إياه ، وأوجبتم بها على أنفسكم حقوقا وألزمتم أنفسكم بها لله فروضا ، فأتموها بالوفاء والكمال والتمام منكم لله بما ألزمكم بها ، ولمن عاقدتموه منكم بما أوجبتموه له بها على أنفسكم ، ولا تنكثوها فتنقضوها بعد توكيدها . واختلف أهل التأويل في العقود التي أمر الله جل ثناؤه بالوفاء بها بهذه الآية ، بعد إجماع جميعهم على أن معنى العقود : العهود فقال بعضهم : هي العقول التي كان أهل الجاهلية عاقد بعضهم بعضا على النصرة والمؤازرة والمظاهرة على من حاول ظلمه أو بغاه سوءا ، وذلك هو معنى الحلف الذي كانوا يتعاقدونه بينهم . ذكر من قال ذلك : معنى العقود العهود : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : أوفوا بالعقود يعني : بالعهود . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل : أوفوا بالعقود قال : العهود .